إشراقات أدبية
الأربعاء,أيار 30, 2007


الحب عند ابن عربي ووحدة الأديان

          اهتمت الثقافة العربية الإسلامية ، كغيرها من الثقافات ، بالحب. و أغنت إطاره المفهومي  بحسب تناوله المعرفي و تداوله الإنساني – الإلهي – الكوني . فهو حاضر في " الديوان " الشعري العربي الجاهلي أو الإسلامي  و حاضر في أغلب الأمثال والحكايات الشعبية ، إضافة إلى التراث القصصي الأدبي السائد في الموسوعات الإسلامية . كما اهتم به الفقهاء والفلاسفة (1 ) .

         ويكاد الاهتمام الصوفي يكون أكثر عنفا و جاذبية و شمولية و لا سيما عند المتأخرين منهم أمثال ابن الفارض  وابن عربي الذي توقف كثيرا عند هذا المفهوم . فأطال فيه النظر والتأمل وتناوله من عدة زوايا نظرية مختلفة تكاد  تكون جامعة مستوعبة لما قبلها و مصدرا و مرجعا لما بعدها .

    و كجواب عن سؤال ما الحب ؟

      يجيب ابن عربي بأنه لا يحد و لكنه يدرك بالذوق ، و إذا كان الحب لا يحد من حيث ذاته فإنه يحد من حيث  نتائجه ، و آثاره ، ولوازمه (2). فالمحبة يعرفها من قامت به ومن كانت صفته ، و لا ينكر وجودها و لكن لا يعرف ما هي ( الفتوحات 2 /325 ) (3 ) .

       و قد وصف الجنيد حال المحب في المحبة، فقال : " عبد ذاهب عن نفسه متصل بذكر ربه ، قائم بأداء حقوقه  ناظر إليه بقلبه ، أحرق قلبه أنوار هويته ، وصفا شربه من كأس وده ، وانكشف له الجبار من أستار غيبه، فإن  تكلم فبالله ، وإن نطق فعن الله ، وإ ن تحرك فبأمر الله ، و إن سكن فمع الله ، فهو بالله  ولله ومع الله ". (4)

       و من طبيعة الحب " أن يصم صاحبه عن كل مسموع سوى ما يسمعه من كلام محبوبه و أن يعميه عن كل منظور سوى وجه محبوبه ، و أن يخرسه عن كل كلام إلا عن ذكر محبوبه ، و ذكر من يحب محبوبه ، وأن يختم على قلبه فلا يدخل فيه سوى حب محبوبه وأن يرمي قفله على خزانة خياله فلا يتخيل سوى صورة  محبوبه . دون ذلك لا يكون حبا . ولا يكون صاحبه محبا. ذلك أن الأصل في الحب هو أن يكون المحب عين  محبوبه، وأن يغيب فيه عن نفسه ، فلا يعود هو نفسه ، وإنما يتماهى مع محبوبه ".(5)

      وكل حب يبقى في المحب عقلا يعقل به عن غير محبوبه فليس بحب خالص ، لهذا السبب اقترن الحب بلذة لا لذة فوقها، أن له شرابا وصف بأنه التجلي الدائم الذي لا ينقطع ، والقلب لا العقل ولا الحس هو الكأس التي يشرب بها الحب . ذلك أن العقل تقييد وهو من العقال ، شأن الحس . أما القلب فيتقلب دائما من حال إلى حال . وبما أن للحب أحكاما كثيرة مختلفة ومتضادة فلا يقدر أن يقبلها إلا القلب الذي يقدر أن يتقلب ويتقلب مع الحب في هذه الأحكام.(6)

فلا بد من الحركة ، والحركة قلق ،فمن سكن ما عشق كيف يصح السكون ؟ وهل في العشق كمون ؟(...)العاشق ما هو بحكمه ، وإنما هو تحت سلطان عشقه (الفتوحات المكية ج 3/368).

       لهذا أولى الصوفية القلب أهمية كبرى ، إذ جعلوه الطريق الأول للوصول إلى الحقيقة ، أو حقيقة الحقائق " الله سبحانه و تعالى " و هو مفضل على العقل لأن هذا الأخير عاجز عن إدراك الحقائق لتعلقه بالظاهروعالم الشريعة فقلب العارف هو " بيت الله ، وموضع نظره ، ومعدن علومه ، و حـضرة أسراره، ومهـبط ملائكته ، وخزانة أنواره  وكعبته المقصودة، و عرفانه المشهودة، و رئيس الجسم ومليكه ، إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون مع السلامة من الآفات،وزوال الموانع، بصلاحه صلاح الجسد،و بفساده فساده ، ليس لعضو و لاجارحة حركة ولا ظهور ولا كون ولا حكم ولا تأثير إلا من أمره، وهو محل القبض والبسط والرجاء ، والخوف والسكر والصبر. هو محل الإيمان  والتوحيد " (8 ) إنه موضع التجلي والسعة الإلهية به يشاهد العارف الحق في كل مجلى و يراه في كل شيء (9).

 

يقول ابن عربــي :

                  لقد صار قلبي قابلا كل صورة                    فمرعى لغزلان و دير لرهبان

                  و بيـت لأوثان و كعبة طائف                   وألواح توارة ومصحف قرآن

                  أدين بدين الحب أنى توجهت                    ركائبه فالحب ديني و إيماني (10)

   فما سمي القلب إلا من تقلبه، فهو يتنوع بتنوع الواردات عليه ، وتنوع الواردات بتنوع أحـواله ، وتنوع   أحواله لتنوع التجليات الإلهية لسره ، وهو الذي كنى عنه الشرع بالتحول والتبدل في الصور (11).

      لهذا السبب تعددت صور القلب عند ابن عربي ، فأصبح مرعى وكنى عن السارحين فيه بالغزلان ، وصارديرا حيث السائحين رهبانا ، وبيت أوثان لما كانت الحقائق المطلوبة للبشر قائمة به ن يعـبدون الله من أجلها  فسمى ذلك أوثانا؛ ولما كانت الأرواح العلوية حافة بقلبه جعل قلبه كعبة،ولما حصل من العلوم الموسوية العبرانية  جعل قلبه ألواحا، ولما ورث من المعارف المحمدية الكمالية جعله مصحفا فأقامه مقام القرآن للجمع الذي حصل  له من مقام أوتيت جوامع الكلم.(12 )

      " فالعارف المكمل هو من رأى كل معبود مجلى للحق يعبد فيه، ولذلـك سمـوه كلهم إلاها مع اسمه الخاص  بحجر أو شجر أو حيوان أو إنسان أو كوكب أو ملك، فهذا اسم الشخصية فيه ، والألوهية مرتبـــــة تخيل العابد  له أنها مرتبة معبوده ، وهي على الحقيقة مجلى الحق لصبر هذا العابد الخاص المعتكف على هذا المعبود في  هذا المجلى المختص ... وأما العارفون بالأمر على ما هو عليه فيظهرون بصور الأفكار لما عبد من الصور لأن  مرتبتهم  في العلم تعطيهم أن يكونوا بحكم الوقت، لأنهم علموا أن الوقـت مجلى عظيم من مجالي الحق ، يتجى  في كل وقت ببعض صفاته: فهم عباد الوقت مع علمهم بأنهم ما عبدوا من تلك الصور أعيانا، وإنما عبدوا الله  فيها بحكم سلطان التجلي الذي عرفوه منهم وجهله المنكر الذي لا علم بما تجلى و ستره العارف المكمل من نبي ورسول ووارث عنهما ...."(13)

      " فكل إنسان لا يعتقد في أمر ما إلا بحسب ما يتجلى له من معاني الألوهية فيه. وهكذا ، فعابد الشـمس لا يعبد  سوى النور الإلهي أو سر التعالي الذي يتجلى له عبرها . كما أن عابد كائن ما مـن كائنات الطبيعة لا يعبد في  الحقيقة سوى معنى من معاني الألوهية تجلى له عبر ذلك الكائن . كما أن عابد الإله المنزه لا يعبد سوى سر  المطلق الذي لا يتملك عبر شكل أو كائن ما . وعلى العموم، إذا كانت الاعتقادات في جوهرها صورا و تجليات إلهية  فإنها لا تضع الإنسان مباشرة أمام الحقيقة الإلهية المتعالية (حقيقة الذات)، وإنما أمام ما يظهر للإنسان المعتقد على انه كذلك. " (14)

       لهذا ميز ابن عربي بين مستويين في مفهوم الدين :

  " مستوى ظاهر ويربط فيه الدين بالانقياد، ويقصد بالانقياد الامتثال الكامل لأوامر العقيدة والشريعة، ولذلك يربط   بين الدين الانقيادي وبين العادة خصوصا وأن الدين الانقيادي لا ينظر إلى العالم إلا انطلاقا مـن مفهوم القيمة.إنه  يوزع العالم إلى ما هو خير وما هو شر ، ما هو فاضل وما هو رذيل ، وعموما، بين المقدس والمدنس، وكل  سلطته تقوم على هذا التمييز الذي يضمن بقاءه واستمراره بل وحضوره الشبه التام بين الناس. ولذلك كان اعـتياديا  لديهم ."(15)

    ومستوى باطن لا يعلمه إلا العارف الصوفي الذي يستبطن حقائق التجلي : وأما سره وباطنه (= الدين  ) فإنه  تجل في مرآة وجود الحق ( = العالم ) . فلا يعود على الممكنات من الحق إلا ما تعطيه ذواتهم في أحوالهم ، فيختلف  التجلي لاختلاف الحال، فيقع الأثر في العبد بحسب ما يكون . " (16)

       إنه تصور يميل إلى وحدة الأديان والمعتقدات " لا بمعنى خلق معتقد واحد وعام لدى جميع الناس ، ولكـن الإقرار بالتعدد والاختلاف مع إفراغه من كل الصراعات المذهبية ، لأن تعدد العقائد يخفي في ذاته وحدة  الألوهية. " (17)

       هكذا عمل ابن عربي ، من خلال الحب ، على استقطاب الأطراف المتباعدة و المتنافرة إلى حد التضاد ، فسلكها مسلك الوحدة . فهو ينظر إلى توزع الأديان واختلافها نظرة معيارية قيمية يميز فيها بين ما هو خير وبين ما هو مستبعد ، بل كل إنسان في نظره عابد للحق مهما كان موضوع عبادته ، فالناس كما يقول الجيلي: "عباد الله على الحقيقة لأجل وجود الحق فيها ، فإن الحق تعالى من حيث ذاته يقتضي أن لا يظهر في شيء إلا ويعبد ذلك الشيء .

وقد ظهر في ذرات الوجود .فمن الناس من عبد الطبائع - وهي أصل العالم-  ومنهم من عـبد الكواكب ، ومنهم من عبد المعدن : ومنهم من عبد النار ... ولم يبق شيء في الوجود إلا وعبد شيئا من العالم إلا المحمديون (= مصطلح يقصد به المتصوفة الذين لا يتقيدون بعبادة مظهر إلهي دون آخر أي الذين ينفتحون بذواتهم على شمولية الحقيقة ) فإنهم عبدوه من حيث الجمع ، ثم تنزهت عبادتهم عن تعلقها بوجه دون وجه مــــن بـاطــــن وظاهر ". (18)

                    أدين بدين الحب أنى توجهت

 ركائبه فالحب ديني وإيماني

لم يعد الحب عند ابن عربي مجرد انفعال إنساني ولكنه قبل كل شيء حركة وجودية تحكم كل الكائنات على اختلافها "(19).

                        وعن الحب صدرنا  

 وعلى الحب جبلنا (20) 

        يقول ابن عربي : " فكانت الحركة التي هي وجود العالم حركة حب (...) فلولا هذه المحبة ما ظهر العالم في عينه .فحركته من العدم إلى الوجود حركة حب الموجد لذلك ولأن العالم أيضا يحب شهود نفسه وجودا كما شهدها ثبوتا . فكانت بكل وجه حركته من العدم الثبوتي إلى الوجود حركة حب من جانب الحق ومن جانبه . فإن الكمال محبوب لذاته (...) فثبت أن الحركة كانت للحب .فما ثم حركة في الكون إلا وهي حبية 0"(21)

        هكذا يصبح الحب عند ابن عربي هما وجوديا ، إنه الرئة التي يتنفس بها العالم ، لا تستقيم بانعدامه حياة ولا تحلو بدونه . إنه الثابت الأساسي في الكون وجوهر الوجود .فما من شيء في الوجود إلا وقائم على الحب . 

---------------------- 

 الهوامش

1-     الكتابة والتجربة الصوفية ، منصف عبد الحق ،ط 1 /1988  ،ص:372-371  0

2-     الصوفية والسوريالية ، أدونيس ، ط 1/ 1992 ، ص: 95 0

3-     الفكر العربي المعاصر ، عدد :111/110 0

4-     الرسالة القشرية ، عبد الكريم القشيري : تحقيق وإعداد معروف رزيق و علي بلطجي ، ط 2/ 1990 ، ص: 327 0

5-     الفتوحات المكية ، نقلا عن أدونيس ، في ، الصوفية والسوريالية ، ص : 96 0

6-     الصوفية والسوريالية ، ص: 97 0

7-     الفتوحات المكية ج 4/ 368 ، نقلا عن منصف عبد الحق ، في ، الكتابة والتجربة الصوفية ، ص: 93 0

8-     ديوان ابن عربي : ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق ، الدكتور محمد علم الدين الشقيري ط 1/ 1995 ، ص : 38 0

9-     نفسه ، ص:  39

10-  نفسه ، ص:   246-245

11- نفسه ، ص : 245

12- نفسه ، ص:   246-245  0

13- فصوص الحكم ، 247-246 نقلا عن ، ابن الفارض والحب الإلهي ، د0 مصطفى حامي ط 2/1985  ،ص: 388 0

14- الكتابة والتجربة الصوفية، 199 0

15- الفتوحات، ج 4/ 146 ، نقلا عن منصف عبد الحق ، في، الكتابة والتجربة الصوفية ، ص ،198 0

16-  نفسه ، ص: 199 0

17- الكتابة والتجربة الصوفية ، ص: 202 0

18- شرح الانصاري للرسالة القشرية ، نقلا عن منصف عبد الحق ،في، الكتابة والتجربة الصوفية ص : 204

19- الكتابة والتجربة الصوفية ، ص : 393-392 0

20- الفتوحات ج2/ 323 ، نقلا عن منصف عبد الحق ، في ، الكتابة والتجربة الصوفية ، ص: 403 0

21-  الكتابة والتجربة الصوفية ، ص: 393                           



في05,حزيران,2007  -  05:15 مساءً, إدريس الهبري كتبها ...

العزيز أحمد...يسعدني أن أكون أول المعلقين بمدونتك التي ستضيف حتما قيمة إضافية للتدوين العربي...مرحبا بك بيننا...أمنياتي لك بالاستمرار و العطاء...و لي عودة لموضوع الحب و وحدة الأديان...أيها الصوفي حتى النخاع...تحياتي إليك...

دام لك الحضور و التجلي...

في17,آب,2007  -  12:51 صباحاً, مجهول كتبها ...

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته..
انا و الله حائرة و ارجو منكم ان تعينوني.هناك من الاشخاص الذين يقولون انهم من الصوفية يقولون انهم سقط عنهم التكليف و اتهم لا تجب عليهم الصلاة و الاكثر من هذا انهم قالوا ان الشيخ ابن عربي قال بهذا .فهل هذا ممكن ؟ و كيف و النبي الحبيب صلى الله عليه و سلم كان عابدا لربه... وهو خير خلق الله.. اتا و الله في كرب و ارجو ان تبددوا هذه الحيرة.لاني حسبما قرات ابن عربي لم يقل بهذا..
و السلام عليكم و رحمة الله و الصلاة على الحبيب النبي و على اله وصحبه

في16,تشرين الثاني,2007  -  09:35 مساءً, عبد الله المغربي كتبها ...

سلام الله عليك و بارك فيك.
الحداثة و التصوف ..والعلاقة بينهما.
مقال على مدونتي أدعوك لقرائته .